أبدو في أحلامي أشجع مني في الواقع، قبل أسبوع كنت في البقعة الموحلة ذاتها، يحتمي بي خمسة، لا أذكر أعمارهم ولا أشكالهم، أذود عنهم عدوي الأزلي؛ وحش ضخم، له حراشف السبيناصور، وانبطاح السمندل.
كالعادة انبترت المواجهة دون حسم، لكني مهما تكرر هذا الحلم لا أسمح للأغبث القبيح أن يمس رعاياي..
صحوت أمس من حلم قديم آخر (حلم أبغضه)
كل مرة، يداهمني خطر لا وجه له في بيوت متراعدة، أغلّق الأبواب بينما يخضها ويخضني خلفها..
من بعض الأحلام أقوم منهكة لطول ما حرثت أقدامي دروبا ترابية بلا قِبلة، ولا يحدثني فيها أحد.
لحظة! تذكرت.. لقد قلّ عدد الغرباء الذين أقابلهم في أحلامي.. وقل الكلام أيضا!
أعتقد أن هانئ العيش لا يرى إلا أحلاما مبهجة.
سأحمل حلمي بمشيمته لصديقتي..
لي صديقة لها اجتهادات لامعة في تفسير الأحلام.. أحب كيف تأخذه طازجا في حجرها، تصمت لحظة وهي تتفرسه، تسأل سؤالا واحدا ثم تنطق.
صديقتي ليست من أنصار موت المؤلف فمعنى الحلم تستله من خاصرتي وإن أدمتها.. لكني ممتنة لها لأنها تطمئنني أحيانا أن ما روعني في منامي حدث وانتهى وليس تحذيرا من أذى قادم..
الأحلام مثل العطور تحيي موتى الذاكرة؛ اليوم استيقظت أتذكر “غنم سعيّد!
أنا متأكدة إنها لم تظهر في حلم، لكنها منذ الصباح تثغو في رأسي.. أريد أن أتذكر متى اختفت من حارتنا؟
لم يروعها الاسفلت حين سودوا به تراب حيّنا! أذكرها في سعيها اليومي صوب الشرق تقفز فوق الأرصفة التي لم نعتد نحن ولا الغنم صفرتها المرقطة بالأسود، ولا تتوقف إلا سريعا لتقضم أغصان شجيرات جزر الأرصفة.
هل اختفت بعد قرار البلدية مخالفة البقر السائب بحجزه وتغريم مُلاكه؟
لا! هذا قرار أقدم، وعمال البلدية يميزون بين البقر والغنم.
أنا أيضا لا أحلم بالبقر..
الإبل؟ هذه كثيرة.. كلها في لأحلامي مجاهيم.
مجاهيم لكنها معادية، وحين تظهر ستعترض سيارتي مهما تفاديتها ثم أصحو بجسد مسحوق من الألم.
ما الذي لا أراه أيضا؟
ليس القطط.. قرأت مرة أن القطة امرأة تكيد.. أنا مستعدة لأبادلها بالأفاعي والعقارب..
متى اختفت غنم سعيد؟ وأين سعيّد نفسه؟ أذكر موضع بيته في الحي، لم أدخله أبدا..
كان باب بيته يتقيأ أولاده التسعة كل صباح، والغنم بعد العصر.
قيل إن بناته أكثر لكني لم أعرفهن.
ربما هجر البلدة بعد أن خرجنا من الحي.
هل باع الغنم؟
لماذا لا أحلم بالغنم؟
لن أحكي لصديقتي المفسّرة عن سعيّد وأنعامه، وسأحبس الغنم لأفكر في هدية تشبه لطفها وامتناني..
وجدت موقعا يبيع النباتات النادرة، وللأسف “لا توصيل خارج الرياض”
نباتات لم أسمع بها من قبل، وأخرى أعرفها ولم أعرف أسماءها إلا من الموقع.
بدأت أقرأ عن بعضها، وفجأة وجدتني في صفحة تتحدث عن “الدفلى”!
قالت الصفحة إن أزهارها الوردية الرقيقة من أشد النباتات سُمّيّة في ممالك النبات.
تذكرتها، تذكرت شاحنات تغص بالشتلات الرشيقة السامقة، ثم العمال وهم يغرسونها في كل زاوية في ديرتنا.
هل قتلت الدفلى غنم سعيّد؟!
قتلتها ولم يبق في البيت إلا العيال؟! قتلتها ولم يجد سعيّد ما يطعمهم فمات قهرا؟!
الدفلى قتلت الغنم، وبينما إحداها تصارع السم ذبحها لعياله؟!💔
ماتت الغنم فانتقل بعياله للرياض ليعمل فيها عملا ستعايره الديرة لو امتهنه فيها؟!
أتأمل دفلى الموقع، وأنتبه أن الأشجار – هي الأخرى – لا تنبت في أحلامي! لم أر شجرة واحدة في كل ما أتذكر من أحلام!
حسنا! لو قابلت الدفلى في منامي الليلة وأنا أكثر شجاعة سآكلها.
اليوم قرأت أن بإمكاني طلب حلم معين: حلم مستحدث وكاشف، أو أطلب تطورا ملحوظا في حلم قديم..
تمرغ الورل في المراغة، انتبهت أولا لرائحة الغبار.. قررت: لا أريد أن أراه فاعلا في أحلامي بعد اليوم.
(كما في تعليمات المقالة) وضعت كأس ماء مزعفر قرب سريري، نطقت طلبي ونمت..
في غابة سوداء، وحوش صغيرة كثيرة، وكأن أبوها انفلق في سبع مئة.
نهضت وترددت في شرب الماء المصفر، لم تفتي المقالة بشربه، لكن حلقي جاف.
لن أخبر صديقتي بالحلم الجديد.. ثمة شيء بذيء في أذنابها التي تشبه عكر الضبّان.. بذاءة حزينة قليلا.
الليلة سأقرأ الكرسي والمعوذات وأنام دون طلبات.
باب بيت سعيّد غريب؛ الأبواب القصيرة المنخفضة لم تكن نادرة في حينا، لكنه بينها كان الأصغر والأسفل.. على المار في الدرب أن يخفض رأسه كثيرا ليراه (ليدرك وجوده)، فإذا فتحه أحد عياله فسيكون رأس الولد بالباب عند مستوى ركبة المار..
لا أريد أن أكذب لكن ببالي صورة مشوشة للباب مكتظا بعيال سعيّد وبينهم غرة وضفيرتين أو ربما خلفهم.
29 يونيو 2026
نشرت في جريدة أخبار الأدب (جريدة أسبوعية ثقافية مصرية) العدد 1726 بتاريخ 23 أغسطس 2026