حوار أجرته معي الكاتبة القديرة إيمان العزوزي ونشر في موقع ثمانية
أمل الفاران قاصّة وروائية سعودية، حاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايتها الأولى «روحها الموشومة به». تميزت أعمالها باستلهام الذاكرة الصحراوية والاشتغال على فضاء القرية النجدية. ومن أبرز رواياتها «غواصو الأحقاف» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب. في هذا الحوار نقترب أكثر من تجربتها الإبداعية.
أمل الفاران، كيف جئتِ إلى الكتابة؟
الحياة يا صديقتي مدهشة؛ بأناسها، وبخياراتهم، وبدوافع هذه الخيارات، وبمآلاتها ومآلاتهم. وعليّ أن أعبّر عن روعة ما أراه، وتصادف أن الأداة التي وُهبتها هي الكتابة. كتبت وأنا طفلة، أمثّل مشاهد مع شقيقاتي في ألعابنا في البيت، ثم بعثت إلى الصحف بعض الخواطر. بعد فترة سطّرت بعض الكلام المقفّى الذي حسبته شعرًا، ثم وصلت إلى القصة.
والقصة دنيا من الخيارات اللامتناهية، تبتلع كل ما أقذف في جوفها وتقول هل من مزيد! ومن خلالها جرّبت اللغة الشعرية واللغة المتقشّفة، جرّبت قوالب اجتماعية، وتاريخية، وبوليسية (إلى حد ما)، وما زلت أجرّب وأفشل.
لأكون صادقة معك، فأشدّ ما فشلت فيه هو أكثر ما يثير إعجابي. أتهيّب (الواقعية السحرية)، وأعتقد أنه لو امتلكنا واقعيتنا السحرية العربية فيجب أن تكون شيئًا بين تكاذيب الأعراب، وسِيَر الأبطال الشعبية، ونهج ألف ليلة وليلة، والمقامات. وقد حاولت في كل ما كتبت تكثيف حضور المنامات، والنبوءات، وحكايات الجن والسحر، وتقاليد الأساليب الشفاهية في السرد. وكل مرة أخذل توقعاتي قبل الكتابة، وهذا يشجعني لأجرب مجددًا. في «بنت عطشة»، حاولت مع حكاية الطائرة التي تحيّي «فهدة» كلما مرت بالبلدة أمورًا ولم أنجح، وحاولت وخططت لأمر يتعلق بالسحر مع «الشنقوح» أو مع «مرضي» ولم أقدر.. ربما في العمل القادم.
«بنت عطشة» آخر أعمالك الأدبية، هل كان صوت الطفلة وسيلةً لقول ما لا يستطيع الكبار قوله؟
لست متأكدة، أنا أجرّب نفس الفضاء في كل أعمالي؛ بلدة صغيرة تتأرجح بين ماضٍ انقضى، وحاضر يتشكّل ولم تتضح صورته بعد. وقد جربتها في «روحها الموشومة به» بلسان شابة عشرينية، ثم في «كائنات من طرب» برصد أثر كارثة عائلية في جميع أفرادها، ثم في «غواصو الأحقاف» بصورة بانورامية تتناول أحياء البلدة وأهلها ومَن يعود إليها ومن يخرج منها.
في «حجرة» عُدت أضيّق المساحة لأكون في بيت واحد مع شابة أقرب للذهان أو حتى الفصام. وها أنا في «بنت عطشة» أجرّب الطفلة، وأظن أنها فرضت نفسها عليّ، مذ رأيتها قائمة تصلّي صلاة الخنافس؛ بنت تؤمّ الأولاد لصلاة عجيبة! لأتتبع خطواتها في عالم البلدة من زاوية لن يراها الكبار، ولو رأوها فسيقرؤونها في سياقات ترسّخت لديهم عبر سنوات، وسيكون لها معنى أحادي من لحظة اصطيادها.
لا تحمل بطلة «بنت عطشة» اسمًا خاصًّا، بل تُنسب إلى أمٍّ كان حضورها أقل داخل النص. ما سر هذا الاختيار؟
مع كل الاعتذار لروميو شكسبير فالاسم يعني كل شيء. لا أتخيل قصيدة ديلان توماس تحصل في قرية أخرى غير «Llaerggub hill»، ذلك الاسم غير المألوف لقرية متخيَّلة، الذي لو فككته لن تحصلي إلا على انعدام القيمة، وهذا يوسع القرية ويجعلها كأي مكان آخر في عالمنا. تخيلي اسمًا لبطل «لوليتا» غير «همبرت همبرت»! الاسم ذو الجذر الأوربي العريق الذي قال عنه نابوكوف إنه اسم ملكي، لكنه في الرواية اسم بغيض لشخصية بغيضة!
أهتم بالأسماء للغاية في رواياتي وقصصي وكل ما أكتبه، أعرف أن الاسم يعني كثيرًا.
في «غواصو الأحقاف»، سميت زوجة «جابر» «خفرة»، الصغيرة التي تستعجل الكِبَر، والتي ليس فيها من الخفر شيء مذ قررت استعجال التنبؤ بزوجها المستقبلي في طقس رغيف الحلم. بينما سميت أختها «بتلا»، لأنها، وإن كانت ستتزوج، لن ترتبط بحب حياتها وسيحتفظ قلبها بعذريّته. وعلى سيرة العذرية، فقد فضّلت تسمية بطلة «حجرة» «مريم»، التي سيصيبها حلم الزواج ربما بالجنون! وستموت عذراء. قد تكون هذه ألعابًا بائسةً نمارسها -نحن الكتاب- ولا ينشغل بها القارئ طويلًا، لكنها تعني لبعضنا كثيرًا. ومع «بنت عطشة»، كنت أرتجف كلما أردت اختيار اسم لها، أما اسم الأم فقد كان واضحًا منذ البداية؛ فهي «عطشة» المتعطشة للحب والأمان، وستورث كل هذا التعطش للبنت!
ما الهاجس الذي دفعكِ إلى خوض تجربة الكتابة الدرامية؟ وهل غيّر نجاح مسلسل «الزاهرية» علاقتكِ بالسرد؟
ببساطة، الدافع لكتابة الدراما دافع ماديّ، لأستطيع أن أتنفس وأكتب الروايات والقصص دون الانشغال بهمِّ تسديد فواتيري. ومع ذلك، فقد كانت لـ«الزاهرية» حكاية مضحكة، مثلما دخلت الرواية بالصدفة حين كتبت على مقاعد الدراسة الجامعية «روحها الموشومة به» معتقدةً أني أكتب قصة طالت جدًّا!
ففي نهاية عام 2017 (أظن)، كان لدى (MBC) مشروع طموح في طور التشكّل لاستقطاب الكتّاب السعوديين (كتّاب القصة والرواية) لكتابة الدراما، ووصلتني الدعوة على أن نبدأ دورة قصيرة بعد أسبوعين. وافقت مبتسمة ومستغربة. تأجل الموعد شهرين، ولأن بذرة الفكرة انغرست في دماغي قررت أن أجرب قبل أن أتلقى أي معرفة. بدأت كتابة «الزاهرية»، أنهيت مسودتها الأولى قبل انعقاد الدورة القصيرة. بعدها عدت أشتغل على المسودة وأعرضها على منتجين، ومع كل رفضٍ أنقّحها.
أعاد كثيرون نجاح «الزاهرية» إلى حكايتها البسيطة والإنسانية. أما أنا فقد علّمتني التجربة كثيرًا، وجلبت لي عروض كتابة درامية متجددة. على الضفة الأخرى، أشعر أن كتابة الدراما غيّرت قليلًا في أسلوب سردي، ربما من المبكر تحديد الأثر، لكني أرى بوضوح اختلاف «حجرة» و«بنت عطشة» عما سبقهما من أعمال.
كتبتِ في المقال، والقصة القصيرة، والنوفيلا، والرواية.. في أي قالب تجد الفاران نفسها؟
القصة القصيرة، أحبها أكثر. كانت هي البداية، ولا يزال الرضا الذي تمنحني إيّاه لا يقارَن بأي شعور آخر.
تأخذين وقتك بين إصدار أدبي وآخر، لكنك لا تتوقفين عن الكتابة.. هل الكتابة ضرورة حياة بالنسبة إلى الفاران؟
الدافع الإبداعي معقد، ومن ثَم فكل الأسباب الداعية للكتابة صحيحة. وقد اختصرها أستاذنا ماركيز حين قال: «عشت لأروي»، فلا معنى لحياته كاملة لو لم يكتب. غالى رفيقُ حرفٍ في الأمر قديمًا حين باح لي في رسالة طويلة قائلًا: «الكتابة نزيف عافيتي»، لكن ستجدين هذا القول شائعًا لدى الكتّاب.
هل تعودين إلى التجربة الشخصية في كتاباتك؟
سأقتبس لكاتبة أحبها، قالت في تقديم مجموعتها القصصية الأولى: «بعض من الأوجه تصطفق بين جوانحي.. أُظهرها معترفةً بأني ما حاولت أن أرسمني وما قصدت أن أموّهني.. بعض تلك الأوجه -ربما- أنا لو كنت عشت حياة آخرين، وبعضها لغيري لو كانوا مرّوا في دروب أجوس خلالها.»
أنا هنا أقتبس نفسي؛ بهذا النص مهّدت لمجموعة «وحدي في البيت» المنشورة عام 1999.
وربما أقتبس لكاتبة أخرى أحبها أيضًا، هي ثريا العريض في قصيدتها: «كلهن أنا»، كلهن وكلهم أنا بشكل أو آخر، إن لم أمزج روحي بالشخصية فلن أصدّقها ولن أستمتع بكتابتها ولن يحبها المتلقي. البراعة في أن يكون كل هؤلاء أنا، وألا نكون متطابقين!
هل تشتغل أمل الفاران على عمل جديد؟
هناك دائمًا مشروع مفتوح قد لا يكتمل. الحقيقة، ببالي فكرة مجموعة قصصية يكون ثمة خيط يربط كل قصصها. عمل مثل «ماركوفالدو» لإيتالو كالفينو ببطله الواحد في مواقع مختلفة، أو مثل «كاسر الندى» لإدويج دانتيكا بأبطاله المتعددين الذين يؤثرون بعشوائية في حياة بعضهم بعضًا دون قصد تأثير دراميّ.
https://thmanyah.com/post/1mtb2y9et9_1jhggnmybp